محمد طاهر الكردي
539
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
هذه البلدة المباركة ، سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية وذلك أن اللّه عز وجل يقول حاكيا عن خليله صلى اللّه عليه وسلم : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ، وقال عز وجل : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ . فبرهان ذلك ظاهر متصل إلى يوم القيامة ، وذلك أن أفئدة الناس تهوي إليها من الأصقاع النائية والأقطار الشاحطة ، فالطريق إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة ، والثمرات تجبى إليها من كل مكان فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومتاجر ، ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ، ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب فيباع فيها في يوم واحد فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة ، كالجوهر والياقوت وسائر الأحجار ، ومن أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر والعود والعقاقير الهندية ، إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة ، إلى الأمتعة العراقية واليمنية ، إلى غير ذلك من السلع الخراسانية والبضائع المغربية ، إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط مما لو فرق على البلاد كلها ، لأقام لها الأسواق النافعة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية ، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها ، فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم ، فهذه بركة لا خفاء بها ، وآية من آياتها الشريفة التي خصها اللّه بها . وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات ، فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد ، حتى حللنا بهذه البلاد المباركة ، فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والأترج والجوز والمقل والبطيخ والقثاء والخيار ، إلى جميع البقول كلها كالباذنجان واليقطين والسلجم والجزر والكرنب إلى سائرها ، إلى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة . وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ ، لا يكاد ينقطع مع طول العام وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره . ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد ، العجب من ذلك يطول ، ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل ، وكل فواكهها عجب ، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل العجيب وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها ، يدخل به الداخل عليه فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك ، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه ، حتى إذا ذقته خيل إليك أنه شيب بسكر مذاب أو بجنى النحل